جلال الدين السيوطي

126

الإتقان في علوم القرآن

النوع الخامس : التّذييل « 1 » : وهو أن يؤتى بجملة عقب جملة ، والثانية تشتمل على المعنى الأول ، لتأكيد منطوقه أو مفهومه ، ليظهر المعنى لمن لم يفهمه ، ويتقرّر عند من فهمه . نحو : ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ ( 17 ) [ سبأ : 17 ] ، وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً ( 81 ) [ الإسراء : 81 ] وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَ فَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ [ الأنبياء : 34 ] ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [ آل عمران : 185 ] . وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ [ فاطر : 14 ] . النوع السادس عشر : الطّرد والعكس : قال الطّيبيّ : وهو أن يؤتى بكلامين ، يقرّر الأوّل بمنطوقه مفهوم الثاني وبالعكس ، كقوله : لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ إلى قوله : لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ [ النور : 58 ] ، فمنطوق الأمر بالاستئذان في تلك الأوقات خاصّة مقرّر لمفهوم رفع الجناح فيما عداها ، وبالعكس . وكذا قوله : لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [ التحريم : 6 ] . قلت : وهذا النوع يقابله في الإيجاز نوع الاحتباك . النوع السابع عشر : التكميل « 2 » : ويسمّى بالاحتراس ، وهو أن يؤتى في كلام يوهم خلاف المقصود بما يدفع ذلك الوهم ، نحو : أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [ المائدة : 54 ] ، فإنّه لو اقتصر على أَذِلَّةٍ لتوهّم أنه لضعفهم ، فدفعه بقوله : أَعِزَّةٍ . ومثله : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [ الفتح : 29 ] . لو اقتصر على ( أشدّاء ) لتوهّم أنه لغلظهم . تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ [ طه : 22 ] لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ [ النمل : 18 ] . احتراس ، لئلا يتوهّم نسبة الظلم إلى سليمان . ومثله : فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ [ الفتح : 25 ] . وكذا : قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : 1 ] فالجملة الوسطى احتراس ، لئلّا يتوهم أنّ التكذيب مما في نفس الأمر . قال في « عروس الأفراح » : فإن قيل : كلّ من ذلك أفاد معنى جديدا ، فلا يكون

--> ( 1 ) انظر البرهان 3 / 68 . ( 2 ) انظر البرهان 3 / 64 .